الغلاف الأمامي لكتاب يحمر الشقيف تاريخٌ وذاكرة

يحمر الشقيف تاريخٌ وذاكرة

15 قسماً · 255 صفحة

إنَّها يُحْمُر.. مهوى الأفئدةِ والحضنُ الدافئ، هي الصَّرخةُ الأولى والصَّمتُ الأخير، بينهما رحلةٌ طويلةٌ من التفاعلِ المتبادَل، تشتدُّ أواصِرُه مع النموّ شيئًا فشيئًا، ولا يخبو مع الممات، جاذبيةُ ثراها تستقطبُ الأمواتَ والأحياءَ على السَّواء، ومهما توسَّعتْ دائرةُ حركتِنا وابتعدَتْ، تبقى يحمر شمسَنا التي ندورُ في فلكِها.

التعريف

بوَّابةُ العبور إلى القلب

إنَّها يُحْمُر.. مهوى الأفئدةِ والحضنُ الدافئ، هي الصَّرخةُ الأولى والصَّمتُ الأخير، بينهما رحلةٌ طويلةٌ من التفاعلِ المتبادَل، تشتدُّ أواصِرُه مع النموّ شيئًا فشيئًا، ولا يخبو مع الممات، جاذبيةُ ثراها تستقطبُ الأمواتَ والأحياءَ على السَّواء، ومهما توسَّعتْ دائرةُ حركتِنا وابتعدَتْ، تبقى يحمر شمسَنا التي ندورُ في فلكِها.

أزلاً وزَّعتِ القريةُ بيوتَها والحنين، بين قلعة الشَّقيف رمز عنفوانها، ونهر الليطاني حامل الخير وغاسل القلوب، قريةٌ وادعةٌ على سفح الجبل، يغسل نهرٌ قدمَيها بافتخار، وتؤانسها قلعةٌ من عليائها، تزهو بسهولها الخضراء، وتشرِّع أبوابها للمحبّة والعطاء، أهلها ناسٌ طيّبون، نسجوا من البساطة أثواباً، وسطَّروا للتاريخ أمجاداً وبطولات، وبنوا للعلم صروحاً وقلاعاً.

ما بين القلعةِ والنَّهرِ قصصُ حبٍّ كبيرةٌ لم تُكتبْ، لكنَّ الأفئدةَ تتضوَّعُ برائحةِ العشقِ الفوَّاحةِ من الدَّحنونِ الرابضِ على جنبات الصخور، ومن السُّفوحِ المرصَّعةِ بالقُنْدُولِ المشلوحِ في ربوعِها.

وما بين رأس العريض والسَّهل ملاحمُ من الدَّمِ والعرقِ لم تُدوِّنْها ريشةُ مؤرِّخ، لكنَّ النَّاظر إلى تجاعيد شجرات الزيتونِ في شَوْشبة والوادي ومرج البركة يعي عظمةَ أجدادِنا، ومَنْ يرنُ إلى تلك الزيتوناتِ المعشعشةِ في شقيفِ النَّملِ وأحراشِ الفَقْعاني وعريضِ المُزحلَق، المعلَّقةِ كالثُّريَّا بين الأرضِ والسَّماء، يُدركْ معنى الدَّمِ الذي قدّمته يحمر، ويفهمْ لماذا انتصرتْ عاملةُ على غولِ هذا العصر..!

رهبةٌ خاصَّةٌ لبعض الأمكنة، وقداسةٌ تتحسَّسُها الجوارح، حتى القلوبُ القاسيةُ لا تستطيعُ التفلُّتَ من هذا الإحساس، يسرحُ الحبُّ ويهيمُ في السَّهلِ كما على صفحاتِ مياهِ النَّهر، ينسابُ فوق الصُّخور وتحت شجرات الدّلْب.

هل من أحدٍ رافقَ النَّهرَ في الخُرْم ولم يتفطَّر قلبُهُ خشوعاً..؟ أو نظرَ إلى شقيفِ البلَّانةِ ولم يسبِّحِ الخالقَ بعفويَّة..؟

وهل مِنْ أحدٍ وقف يوماً فوق عريضِ كفِّ التبن، ولم يشعرْ أنَّه نسرٌ يحلِّقُ في السَّماء مرتِّلاً: "أَلَمْ نشرح لك صدرك"؟

والشَّقيف قلعةٌ هي تاجُ يحمر وعنوانُ كبريائها، شامخةٌ على هضابنا مَعْلَماً من معالم الشَّمَم، ارتبطتْ مع الزمنِ بحكايا ملوّنةٍ يطغى الأحمرُ على ما عداه، يزيِّنُ الصّمودُ صفحاتِها ويبلسمُ لسعاتِ الأعداء.

خلف السُّهولِ والتلالِ حفر الليطانيُّ مجراهُ دون كللٍ أو ملل، ينبوعٌ يفيضُ حياة، يعانقُ البلدةَ من جهاتٍ ثلاث، يروي أوديتنا التي تلتوي وتنحدر نحو البحر المستأثر بمياهنا العذبة، لم يستطع هذا النهر أن يروي عطش البلدة، وحالت عوامل الطبيعة وإهمال السَّاسة بين مائه وشفاه بنيها منذ عهود قديمة، وكلّ المحاولات هي عناوين ظرفيّة ينتهي مفعولها بانتهاء الظّرف الذي يحيط بها، وتبقى يحمر حتى زماننا، الماء يحملها ويكاد الظمأ يقتلها.

النهرُ والقلعةُ ركنان لا تستوي الشَّخصيَّةُ بدونهما، نشأت بينهما قصَّة ضيعة من ضياعنا العاملية، وحكايةٌ من حكايا الكفاح والعطاء والقهر والحرمان، حكايةٌ من حكايا الصّبر والجهاد والبذل والبناء، تمتدُّ لعدّة قرون من الزمن، وفوق أرضٍ مباركةٍ ارتوت بِعَرَقِ رجالها، ودموع نسائها، ودماء شبابها.

قصصُ الشّهداء، الألمُ والغضبُ والجمال، أحلامُ الطفولة، الكدُّ والإباء والعنفوان، جباهُ رجالٍ تخضَّبتْ بكلّ هذه السُّمرة، وإرادةُ نساءٍ لا تعرفُ المستحيل، بسمةٌ تعلو شفاهَ شادنٍ في أوَّل العمر، ترابٌ يهبُ المولود في رُباها نعمة الانتماء، إنَّها يحمر.. عشق القلوب لترانيم الطُّهر والعفوية ...

إنَّ الجهد المبذول والوقت الموهوب، والمحاولة الدائمة لمقاربة الحقيقة في قراءة اللوحة الفسيفسائية لبستان العائلات في يحمر، والأهمّ من ذلك كلّه حجم الصَّبر الذي استلزمه هذا البحث الشَّائك، يُوضح لكلِّ لبيبٍ أنّ الهدف أعمق من تأريخ عائلة هنا، وأجلّ من الكتابة عن فرد هناك.

وباختصار شديد، فالموضوع منذ البداية وحتى النهاية هو نحن، هو يحمر بأهلها الذين رحلوا منذ قرون، وأهلها القادمين بعد قرون، الأجداد والأحفاد وما بينهما، صلة الرحم بلا عصبيّة، الأرض والشجر والدار، قصص الحبّ، إزميل الأمل الذي يرافق لقمة الفقير ما دام حيًّا، حكايا الدم والعرق والمواويل، نضعها حبراً على صفحات ستفيد أحفاد الأحفاد، وتنير درب الدارسين الباحثين في أصول هذه القرية الغالية، محاولة متواضعة لنبش تاريخ مضى، تاريخ فُقدت حلقاته الواحدة تلو الأخرى، كما أهملت وثائقه التي عبثت بها أيادي الجهل وقساوة الحياة، إنَّها بذرة تأريخ لثرى يحمر، دفتر سجلٍّ لأطيافٍ من الماضي وصورٍ من الحاضر، لعلّ اللَّاحقين يكملون الطريق.

والذاكرة ليست محلّ ثقة تامّة، فهي تتعرّض لحرب شرسة وبأسلحة متعدّدة، ممَّا جعلها تضعف أمام جبروت آلة الزمن وتعقيدات الحياة العصرية، وكي لا تتبعثر حروف أسمائنا في غياهب النسيان، نؤرِّخ جزءًا من ذاتنا للأجيال القادمة، ونحفر ملامح وجوهنا فوق صخرة من صخور يحمر، ولسنا بصدد تمجيد أحدٍ فاقد المجد، أو امتداح قبيلة بقصيدة فخرٍ كأنَّنا في العصور الجاهلية، فالقضية ليست هنا.

بل هي يحمر .. عشُّ الطّفولة ومرتع طيور الجنَّة، يحمر بأرضها وناسها، بفطرتها وتعقيداتها، بمرارة تبغها ونشوة العتابا في روابيها، جاذبيّتها لا يحدُّها حدّ، وهوى العشق يأخذ الإبداع باتِّجاه واحد، فالمعشوقة أميرة تجعل العقل يفقد حياديّته رغم المحاولة، ولا بدَّ من الاعتراف بأنَّ اليراع الولهان يغرف من مداد الحبيب.

إنَّها إطلالة اجتماعية علمية وبحث إنساني، عن قرية مرميَّة في أطراف الوطن اسمها يحمر الشَّقيف، ولا تدَّعي هذه الإطلالة اكتمال المشهد اليحموريّ، بل هي شمعة تنير درب مَنْ سيغامر في اجتياز عتمة تاريخنا المجهول.

من مقدّمة كتاب: يحمر الشقيف تاريخٌ وذاكرة.

بسام محمد علَّيق

يحمر الشَّقيف

حفل التوقيع

محتوى الكتاب